في الثاني عشر من يوليو الماضي مر مايقرب من ستة وثمانون عاما علي وفاة الأديب العصامي الكبير مصطفي لطفي المنفلوطي عن عمر قارب الـ 50 عاما قضاها في حفظ القران الكريم ، والنهل من عيون الأدب العربي القديم والحديث حتى صار من أعمدته الراسخة وصواريه الثابتة دون أن يحصل على الشهادات الجامعية ولا على الرسائل الأكاديمية . لكنه ملأ جنبات الوطن العربي كله بأدب ما زال صداه يتردد الي يومنا هذا .
وانت حين تقرأ المنفلوطي فإنك في الواقع لا تقرأ كلاما مرصوصا أو عبارات جامدة وانما تسمع الحانا شجية تنساب من قيثارة مستكنة في أعماقك ، فتحرك في نفسك احساسا بالسمو ونشوة بالارتقاء . ومن منا لم يقرأ للمنفلوطي ليستقر في اعماقه ليلوذ به كلما اشتد هجير الحياة وكلما أجهده السير علي شوك الأيام والسنين ؟
هو الأديب الكبير مصطفي لطفي بن محمد لطفي بن محمد حسن المنفلوطي ، ولد في قرية منفلوط احدي القري التابعة لمحافظة أسيوط ، ولد في عام 1876 . والمنفلوطي من أسرة حسيبة النسب والشرف تولته بالرعاية والاهتمام منذ صغره فحفظ القران الكريم وهو لم يتجاوز سن الحادية عشر ، ثم أرسله والده الي الأزهر الشريف ليتم تعليمه بين أروقته وتحت أعمدته ، فظل به عشر سنوات يدرس ويحصل ويختلف علي معظم مدرسيه وعلمائه وفقهائه الكبار.
وفي الأزهر وجد المنفلوطي ضالته المنشودة في الشيخ محمد عبده الذي أعجب به شديد الاعجاب حتى لزمه في كل دروسه ، فما لبث ان انصرف عن الأزهر بكل علومه ورجاله وأخذ يتردد بشكل مستمر علي الشيخ محمد عبده فقط . ومنذ تلك اللحظة بدأت ميول المنفلوطي للادب والبيان واللغة أكثر وضوحا من التعمق في العلوم الشرعية والدينية ، وهذا ما جعله يتفرغ لقراءة مؤلفات ابن المقفع ، والجاحظ ، وبديع الزمان الهمذاني ، والامدي ، والباقلاني ، وابن الرومي ، وعبد القادر الجرجاني ، و ابي العلاء المعري ، وبالطبع كتب محمد عبده وخاصة كتاب " دلائل الاعجاز وأسرار البلاغة " ولشدة ولعه وشغفه بالامام محمد عبده يقول الدكتور شوقي ضيف أن المنفلوطي أسف أسفا شديدا لوفاته حتى رجع الي قريته مرة أخري ليظل بها قرابة العامين يكاتب منها صحيفة المؤيد ، بعد ذلك عاد ثانية الي القاهرة .
عاش المنفلوطي حياة بائسة شديدة الفقر والحاجة ، فكان يشقي في سبيل الحصول علي حد الكفاف ، ورغم الوضع الاقتصادي الصعب للمنفلوطي الا انه كان صاحب رأي وموقف ، فمن المعروف عنه أنه ناصر شيخه محمد عبده ضد الخديوي عباس ، ظهر ذلك جليا عندما عاد الخديوي عباس من زيارة له لاحدي الدول الاجنبيه فنظم له المنفلوطي بعض الأبيات غير المرحبه بعودته للبلاد ، ثم نشر هذه القصيده بدون توقيعه ، الا انه سرعان ما تم التعرف عليه وتم سجنه وهو لايزال طالبا بالأزهر .
وبذلك تضافرت الأحوال البائسة مع السجن لتحول المنفلوطي لأشهر طائر حزين يطير في سماء الشرق. لهذا اهتم المنفلوطي بان يجد وظيفة مناسبة ، فتولي الاعمال الكتابية في وزارة المعارف عام 1909 م ، وكان ذلك اثناء تولي سعد باشا زغلول الوزارة الذي كان شديد الاعجاب به.
وعندما انتقل سعد زغلول لتولي وزارة الحقانية عام 1910 م نقله معه الي الوزارة الجديدة ، لكنه فصل بعد خروج سعد زغلول من الوزارة . فعمل في سكرتارية الجمعية التشريعية عام 1913 م . وعندما قام البرلمان في عام 1923 م عينه سعد زغلول موظفا به وظل بهذه الوظيفة حتى وافاه الأجل .
لكن كانت حياته مليئة بالانجازات الادبيه ، فعندما يذكر المنفلوطي يذكر معه كتابيه الأشهر " النظرات " و " العبرات " ولكن هذين العملين مثل جميع أعماله التي قام بتعريبها بعد ترجمتها ، فالمنفلوطي لم يكتب كتابا خالصا في حياته الا كتاب واحد وهو الكتاب الاقل شهرة وهو تحت عنوان " القضية المصرية من سنة 1921 الي سنة 1923 " والكتاب واضح من اسمه انه سياسي ولا صلة له بالادب ولا البيان لا من قريب أو من بعيد .
أما عن أعماله التي رفعته الي ذروة الشهرة فجاءت عبر تكليفه لبعض الأصدقاء بأن يقوموا بترجمة بعض الأعمال ثم يقوم هو باعادة كتابتها وكأنه يؤلفها من جديد ويمزجها بالواقع المصري والعربي مزجا مؤثرا . واختار المنفلوطي وأصحابه الأعمال الرومانسية المعنية بالعدالة والفضيلة والانتصار للفقراء ومن هذه الأعمال : قصة بول وفرجيني لبرناردين دي سان بير وسماها " الفضيلة " ، ورواية ماجدولين أو تحت ظلال الزيزفون لألفونس كار ، وايضا رواية " الشاعر " لأدموند روستان ، وكذلك رواية " في سبيل التاج " لفرانسوا كوبيه .
وقد جمع المنفلوطي هذه الأعمال في عمله الكبير " العبرات " وهو العمل الذي حقق نجاحا كبيرا له ، وجعل للمنفلوطي مكانة متقدمة في الحياة الأدبية المصرية والعربية. وللمنفلوطي أيضا كتاب يسمي " مختارات المنفلوطي " وهو عبارة عن مختارات لمن قرأ لهم من كبار الشعراء أمثال ابي تمام ، وابن الرومي ، وابي العلاء .
وبجانب " العبرات " فإن كتابه " النظرات " يقع في نفس مكانة كتابه الاول ، و " النظرات " يشتمل علي ثلاثة مجلدات وهي مجموعة كبيرة من المقالات الاجتماعية نشرها المنفلوطي في صحيفة " المؤيد " التي كان يحررها الشيخ علي يوسف . ففي النظرات يتحدث المنفلوطي عن مشاكل وتحديات المجتمع المصري انذاك ، ويقول الدكتور شوقي ضيف في هذا الاطار " تتميز هذه المقالات بميزتين أساسيتين ، الاولي تتناول الشكل والثانية تتعلق بالموضوع ، أما عن الشكل فإنها كتبت باسلوب نقي خالص ليس فيه شئ من العامية ولا من أساليب السجع الا ما يأتي عفوا ، أما من حيث الموضوع فقد اختار المنفلوطي الحياة الاجتماعية لبيئته واتخذها ينبوعا لأفكاره " . والمنفلوطي لم يقم فقط بتقليد كاتب قديم بعينه مثل ابن المقفع أو الجاحظ أو بديع الزمان بل حاول أن يكون له أسلوبه الخاص به ، وهو مايسمي بشخصية الكاتب ، بمعني أن كل مايكتبه يطبع بطابعه ومن ثم يخرج الي الوجود وكأنه عمل جديد يرى النور للمره الأولي .
ومن أجمل ما تحدث عنه المنفلوطي " الرحمة " فيقول " ان الرحمة كلمة صغيرة ولكن ما بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما بين الشمس في منظرها والشمس في حقيقتها ، واذا وجد الحكيم بين جوانح الانسان ضالته من القلب الرحيم وجد المجتمع ضالته من السعادة والهناء ، ... ايها الانسان ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها ولم يترك لها غير صبية صغار ودموع غزار ، ارحمها قبل ان ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبها فتؤثر الموت علي الحياة ، وارحم المرأة الساقطة فلا تشتر منها عرضها علها تعجز عن ان تجد مساوما يساومها فيه فتعود به سالما الي كسر بيتها ، ارحم الزوجة أم ولدك وقعيدة بيتك ومرآة نفسك وخادمة فراشك لأنها ضعيفة ولأن الله أوكل أمرها اليك ، وما كان لك أن تكذب ثقته بك ، ارحم ولدك واحسن القيام علي جسمه ونفسه فإنك الا تفعل قتلته أو أشقيته فكنت أظلم الظالمين ، ارحم الجاهل فلا تتحين الفرصة لعجزه عن الانتصاف لنفسه فتجمع عليه بين الجهل والظلم ..... "
والعجيب ان كل هذه الأعمال كانت خلال حياة قصيرة عاشها المنفلوطي الذي توفي في عام 1924 م ، وكانت لوفاته كبير الاثر علي كل الادباء والمثقفين ، أمثال أحمد حسن الزيات والعقاد وحافظ ابراهيم الذي نظم له مجموعة من الابيات لرثائه ، وكذلك محمد زكي الدين الذي ألف كتاب عنه تحت اسم " المنفلوطي ، حياته وأقوال الكتاب والشعراء فيه والمختار من نثره وشعره " ، وكذلك لأحمد عبيد الذي كتب عنه كتاب بعنوان " كلمات المنفلوطي " ، واقام الشيخ عبد القادر المغربي حفل تأبين له في المجمع العلمي والعربي بسوريا ، وقال عنه " ما كانت مطابع مصر تصدر أثرا من أثار الفقيد حتى يدوي صداه بين أبناء العرب كافة فيسرعوا الي اقتنائه ويعكفوا علي دراسته ويجدون في كل كتبه نموذجا للكتابة الراقية من حيث سهولة التعبير وحلاوة الموضوع وابداعه بما يلائم ابناء عصره من الأفكار والاراء ... " .
تلك لمحات خاطفة عن حياة ذلك الرجل الفذ صاحب الارادة القوية والعزيمة الصلبة في الدفاع عن المظلوم والمناداة بالرحمة والفضيلة والعدل بأسلوب جعل لهذه القيم صوره مجسمة في عيون وأسماع القارئين .













