BB Search

Follow us


Facebook

Download: Fast, Fun, Awesome
Chinese (Traditional) English French German Hebrew Italian Japanese Russian Spanish Turkish
الرئيسية أدب و فلسفة البحث عن مأوى بالليل أم نسيم البحر؟بقلم الدكتورة نوال السعداوى
أرسل إلى صديق طباعة PDF
(0 votes, average 0 out of 5)

البحث عن مأوى بالليل أم نسيم البحر؟بقلم الدكتورة نوال السعداوى

يوم 16 يوليو 2018، غادرت شقتى بإحدى العمارات الشاهقة بالقاهرة، التى بنيت خلال الانفتاح فى السبعينيات والثمانينات، حين انفجر جشع التجار، وما أطلق عليهم رجال الأعمال، يتنافسون على خطف الأرباح من التجارة بالسوق الحرة، التى لم تكن إلا حرية النهب محليا وعالميا، ارتفعت طبقة من أصحاب المليارات لا يقرأون ولا يكتبون، وإن حملوا شهادات الطب والهندسة والمحاماة، باعوا الشهادات وتاجروا بالصحة والقانون والدين والأخلاق، ضاربوا فى البورصة، أرسلوا أولادهم الى أمريكا، وارتفعت قيمة كل أمريكى يلمع وينطق اللغات، وانخفضت قيمة العقل المصرى والكتابة باللغة العربية.

أصبحت أنا من طبقة المفكرين الفقراء، أكتب وأنشر أفكارى فلا يربح إلا الناشرون فى الداخل والخارج، تحول كل شيء إلى سلعة بالسوق أرخصها الإنسان، شعرت بالغربة، عشت طفولتى فى أسرة تحترم الأدب والفن وتحتقر التجارة والمال، كنت أسمع أبى يقول عن تاجر ثرى بالموسكى حذاء مليء بالفلوس لا يقيم اعتبارا إلا للقرش. ألهذا لم أقدم على الزواج إلا من فدائيين، يتطوعون بحياتهم فى سبيل الوطن، لم يكافئهم الوطن إلا بالسجن أو الموت، وخلعت مهنة الطب مصدر الثراء والقصور تحوطها الحدائق المعبأة بعطر الفل والياسمين، واقترنت بالكتابة والإبداع، فأصبح الفقر مصيري، مع القهر وقضايا الحسبة، أسكن فى شقة من غرفتين معلقة بالدور السادس والعشرين، المصعد معطل ومواسير الماء تخر، الحيطان مبللة، وأسلاك الكهرباء عارية، العمارة كلها مهددة بحدوث مس كهربى والاحتراق، بما فيها مكتبتى الغالية وكتبى العزيزة. غادرت الشقة عن طريق السلم اللولبي، هبطت الأدوار الستة والعشرين، بقوة الحياة وغريزة البقاء، لم أفكر هل يمكن صعودها إن أردت النوم فى فراشي؟

كنت فى طفولتى وصباى أطل من نافذتي، بالدور الأول، على المزارع الخضراء، تدخل أشعة الشمس والهواء النقى الطلق إلى كل أركان البيت، لكن الأحوال تغيرت بسرعة غريبة، واختفت الخضرة والأشجار، زحفت الخرسانة والطوب الأحمر، وانتصبت الجدران الأسمنتية تسد الهواء والشمس.

أصبحت طبيبة شابة، بهية الطلعة، مفعمة بالأمل والحب، محاطة بالدم والوجع، لا أسمع إلا أنين المرضى والمريضات، وفى منتصف الليل أصحو أبحث عن القلم، أخط به على الورق آلامى وأحزاني، كان حزنى الأكبر هو اختفاء الشمس وراء الجدران العالية، وانعدام الهواء، أصبحت أنام وأحلم بالشمس والهواء النقي، أمشى فى الطرقات باحثة عن شعاع من الضوء ونسمة هواء.

هكذا وجدت نفسى بالدور السادس والعشرين، بأعلى بناء فى القاهرة، من نافذتى العالية أرى السماوات والشمس والهواء، لا يعوقنى جدار، تصورت أن الحياة ترد لى الجميل، وتحبنى كما أحببتها، وتمنحنى أشعة الشمس والهواء النقي، غير المحمل بأتربة الشوارع ولا ذرات الرصاص والقصدير والحديد، راحت ذكرى السنوات التعيسة التى كنت أفتح فيها النافذة فلا أرى إلا جدارا عاليا ممدودا الى ما وراء البصر، حين كانت الصحف تندفع من تحت عقب بابى الخشبى المغلق، ومعها تراب وصهد وهباب، تحمل صفحتها الأولى صورة الحاكم المصري، فاتحا فمه الواسع بابتسامة عريضة، يتنزه مع صديقه الأمريكى فى الحديقة على شاطئ النيل. كنت أعرف أن الاستعمار والنهب الخارجى لا ينفصل عن البطش والنهب الداخلي.

فى الدور الأرضى بالعمارة ، يوم 16 يوليو 2018 ، تجمع بعض السكان البؤساء أمثالي، الذين يسكنون الأدوار العليا، ويعانون تعطل المصعد، وترشح الحيطان من مواسير الماء بالدور الواحد والثلاتين، أخذنا نبحث عن مجلس إدارة العمارة أو ما يسمونه اتحاد الملاك، الذى يتولى جمع الأموال من السكان كل شهر، مقابل خدمات الأمن والنظافة، لم نجد إلا أمين الصندوق الذى قال إنه غير مسئول، وسألته طفلة بالمدرسة الابتدائية: ولماذا تجمع الأموال منا كل شهر إذا كنت غير مسئول؟ وسأله موظف بأحد البنوك: ولماذا رفضت تطوعى لمراجعة الحسابات؟ وصاح السكان: يجب أن نشكل اتحاد ملاك جديدا.

أصبح النقاش محموما والهواء مكتوما والمصعد فاقدا الحياة، لم أستطع الصعود الى شقتي، فخرجت فى الليل أبحث عن مأوي، يراودنى الهاجس: لو كنت من زملائى الأطباء غير المفكرين هل كنت أبحث عن مأوى بالليل البهيم، أم أستلقى على شاطيء البحر أستنشق النسيم؟.

شاهد.. نوال السعداوي: أنا مسلمة ببالصدفة الصدفة ومافيش نار في الأخرة


المصدر الاهرام
 

إضافة تعليق


إعلانات

2019-09-22-172459Unsere Partei Frauen und Familien -FFP ist Partei für alle...
2013-07-02-04-40-38أنفراد جريدة بلادي بلادي بفيينا بحوار ساخن مع السيد اللواء حسين...
JoomlaWatch 1.2.12 - Joomla Monitor and Live Stats by Matej Koval