الفلسفة هى الحكمة لذلك لا ينبغى لإنسان أن يوصف بها ، و قد أشار فيثاغورس الذى وضع لفظ الفلسفة لذلك قائلا : لست حكيما فإن الحكمة لا تضاف لغير الإلهة و ما أنا إلا فيلسوف . فالفيلسوف إذن هو محب للحكمة و قد بدأ طريق الفلسفة مع طاليس ( 624 – 547 ق.م ) الذى خرج من مدينته ملطية إحدى جزر اليونان و طاف الحضارات القديمة من حوله وعاد لمدينته ووضع تقويما للملاحين و بعض مبادئ الهندسة ثم بدا له السؤال الذى بدأ معه و لم ينته مع الفلاسفة للآن :ما أصل الكون ؟ و قصة الفلسفة كما يقول د . مراد وهبة : (هى قصة البحث عن المطلق ) . و الله هو المطلق بمعنى أنه موجود قائم بذاته و ليس بغيره
لكن الفلاسفة تجاوزوا ذلك سريعا حيث أشار أنكسيمندريس ( 611 -545 ق.م ) أن الماء متغير فلا يوصف بأنه أصل بل هناك أربعة عناصر تكون منها الكون هى : الماء و الهواء والنار والتراب . فالمطلق عنده هو اللا نهائى الدائم الذى لا يفنى و هذا المطلق لا يوصف بأنه مادى .
من هنا تعددت وجهات النظر الفلسفية الكثيرة فرأى هرقليطس أنها النار ، و لكنها ليست النار التى نراها . ثم اهتدى لفكرة العقل الذى سماه اللوجوس الذى هو المحرك الحقيقى للأشياء لكن الخلاف بدأعند سؤال كيف يحكم هذا العقل العالم ، حتى جاء أرسطو (384-322 ق.م ) فذكر فكرة العلة الغائية ، فالمخلوقات تتخذ من الله غاية تتوجه إليها و كان ذلك فصلا بين الله و العالم حيث يرى أن الله لا يحكم إلا ذاته أما الخلق فهو يتوجه إليه باعتباره هو الغاية له و الإنسان هو الكائن الوحيد الذى يستطيع أن يتأمل الله بما فيه من جزء إلهى هو العقل و الفعل الأخلاقى هو الذى يصدر عن عقل الإنسان عندما يكون مطابقا للعقل الكونى .
امتد الفكر للمشرق العربى بحواراته بعد الترجمات التى تمت لأعمال الفلاسفة فظهر المعلم الثانى الفارابى ت 950 م . الذى استند فى حل هذه المشكلة إلى فكرة الواجب والممكن ، فواجب الوجود هو الله و العالم يخرج منه على صورة ( فيض ) . أما تلميذه ابن سينا ت1037 م. فقد أكمل هذه النظرية بتوسع ثم ابن رشد ت 1198 م. الذى توجه بالفلسفة وجهة عقلية بحتة دفعت الكثيرين لمعارضته و حرق كتبه .
ثم انتقلت الفلسفة عبر العصور مع حركة التطور الحديث فى أوروربا و تعقدت المباحث الفلسفية أكثر فأكثر لكنها ترجع لتوجه الفيلسوف من حيث المادية أو الفكرية ، فظهرت النظريات المفسرة للكون و الأخلاق منها ما اعتمد على الفكر مثل كانط ت 1804 م. الذى رأى أن الكون كله يدور حول الفكر و أن الوصول إلى الله لا يعتمد على مبدأ العلية بل على الأخلاق و الله هو الخير الأعلى و أعلن ثلاثة قوانين كلية :
- اعمل كما لو كان فعلك سيصبح قانونا طبيعيا
- اعمل بحيث يصير عملك غاية لا وسيلة .
- اعمل كما لو كنت مشروع قانون .
إذن بفضل الفكر و الأخلاق يثبت كانط حرية الإنسان و خلود الروح و وجود الله . ثم يكمل هيجل ت 1831م. هذا الطريق بالحديث عن الروح المطلق و تفسير التاريخ ، و هو عنده التقدم فى إدراك الحرية . و على الطريق الآخر ظهرت نظرية دارون ت 1882 م. التى ترى أن المادة هى الأصل و لا فرق بين العقل و الحس فمن يملك العقل يملك الحس ، من هنا لا فرق بين الإنسان و الحيوان وفق نظرية انتخاب الطبيعة . ثم جاء تفسير ماركس ت 1883 م. الذى يرى كذلك أن المادة هى الموجود الحقيقى لكنه انطلق فى تفسير التاريخ و هو عنده صراع بين الإنسان و الطبيعة ، فالبداية كانت الشيوعية و لم تكن هناك طبقات ثم ظهرت بسبب تقسيم العمل بين الناس فتحول إلى مجتمع عبودى و استمر الصراع بين السادة و العبيد ثم نظام الإقطاع ثم الرأسمالية فالتاريخ هو تاريخ الصراع و كل شيء ينقسم نتيجة له و الفلسفة عليها تغيير العالم لا فهمه . لكن الفكر الماركسى لم يتوسع بعد ذلك حيث انحصر حول الشكل الاقتصادى فقط و الحديث عن الرأسمالية و طبقة البروليتاريا العمالية .
ظهرت مدارس أخرى متعددة بعد ذلك عند الفرنسى أوجست كونت ت 1857م. و الانجليزى سبنسر ت 1903م. ثم الامريكان بيرس ت1914م و جيمس ت 1910م و ديوى ت1952 م و التى عرفت بالنظرية البراجماتية التى ركزت على المنفعة . ثم ظهر كتاب : ( نقد الفكر الديالكتيكى ) لجان بول سارتر عام 1960م الذى قدم الفكر الوجودى كتفسير جديد و هو فكر يقدم الفرد فى كل شيء و على كل شىء و يرفض أن يسيطر عليه أى مذهب أو رأى . و هو عكس الشيوعية التى تنظر للجماعة على حساب الفرد . لكنه يؤمن بالفردية التى يعتبرها غاية لا وسيلة ، ثم ظهرت عدة أنواع للفلسفة الوجودية بعد ذلك .
و هكذا لم يتوقف تاريخ العقل و التفسير للكون و الحياة كيف بدأت و ما حقيقة الحركة و المصير و ما تفسير الأخلاق و المبادئ التى وضعت للإنسان و لن يتوقف العقل البشرى عن السؤال أو محاولة الجواب و هذه مقدمة مختصرة عن الموضوع الذى سنناقشه خلال المقالة القادمة حيث كان لابد له من مقدمة تجمع صورة تطور الفكر الإنسانى .
و الله من وراء القصد













