Download: Fast, Fun, Awesome

BBAds

Facebook

English French German Italian Portuguese Russian Spanish
أرسل إلى صديق طباعة PDF
أنور محمد أنور
(5 votes, average 4.00 out of 5)

الدين والمنطق

أنور محمد أنور
الناس فى بلدى يعتبرون الدين والمنطق خصمين متضادين ، لا يجتمعان معا ، ولا يلتقيان ، وأصبح الناس وهم يستمعون إلى مشايخ الفضائيات كأنهم بلا عقل ولا رأى ، وقد استمعت إلى بعض هؤلاء المشايخ فوجدته يقول قولا ، ثم يأتى بعكسه ، والناس لا تشعر ولا تفهم ، حاولت تفسير هذه الظاهرة ، فمعظم من يستمعون إلى مشايخ الفضائيات من حاملى الشهادات ومنهم شهادات عليا ، أعنى أن العلم نال من بعض أفكارهم ، وأن المنطق لحق بعقولهم ردحا من الزمن ، ولكن العجب كل العجب عندما تشاهدهم أمام هؤلاء المشايخ ، تجدهم مستسلمين منقادين ، لو قالوا لهم : نحن ربكم الأعلى ، لما تنبهوا لذلك ، فهم مخدرون كالذى يغشى عليه ، ومما يزيل بعض العجب لا كله ، أن الغالبية العظمى من مشاهدى الفضائيات من النساء ، وهؤلاء المشايخ يعرفون ويفهمون ذلك ، بل ويلعبون على هذا الوتر الحساس فتشعر ، وكأن هذه الفضائيات موجهة للنساء خاصة alt
فهن اللاتى يتصلن بالبرامج بصفة مستمرة وهذا دخل لا ينكر وباب من أبواب الحصول على مال الفقراء المخدوعين  ، من أجل ذلك دأب هؤلاء على توجيه دفتهم نحوهن ، فهن أكثر خضوعا واستجابة للخرافات القوليه والتفسيرات الموجهة ، إذ أن المرأة من السهل التأثير عليها بالكلام ، فعقل المرأة فى أذنها . أقوال غريبة وتفسيرات فرديه عجيبة ، ورغم ذلك تلقى القبول والاستحسان لدى البعض سيما النساء بشكل يدعو للعجب رغم أنها من منظور الشرع ذاته خاطئة ، ولكن السؤال هل نحن نريد من يخدعنا ، ونحب من يضع لنا السم فى العسل لكى نبقى فى سبات عميق ، وكيف اقتنع الناس بأن الدين ضد العقل ، وكيف استسلموا لهذه الطبقة التى استغلت الدين فى بث أفكارها الخاصة تحت ستاره ، أن علاج هذه القضايا لن يكون بمسلسل كمسلسل الجماعة أو غيره ، ولن يكون ببرامج تعيد للناس رشدهم وعقولهم ، لا لن يكون ، إن الحل الناجع أن تتم مناقشة هؤلاء حتى يتم تراجعهم عن تلك الأفكار ، وإن كانوا يبحثون عن المال فعليهم أن يعرفوا أن المال زائل ، ولن يدوم غير يوم أو يومين بعدها سيعضون أنامل الندم على ما فرطوا فى جنب الله ، وعلى هؤلاء الذين يستمعون إليهم سيما النساء ، أن يعلم الجميع أن الله عز وجل قد حذر من اتباع من يأخذ مالا على أقواله : " اتبعوا من لا يسألكم أجرا " ويبقى أن يناظرنا منهم من يريد ، بشرط أن يمتلك الشجاعة ليعلن الحقيقة على نفس القنوات ويتخلى عن هذا الاتجاه ويكون بذلك قد أنقذ نفسه وأنقذ خلقا كثيرا سيحمدون له شجاعته وفقهه ودينه الحق .

إننى أتمنى أن يتحدث إلينا من يريد الوصول للحقيقة وهى غايه العالم الحق والفقيه الصادق ، ولا يسعنا إلى أن نحمد له ذلك ، فسينقذ بعمله طائفة عاشت على الوهم سنينا

إن الخلط الواضح بين ما هو غيبى وما هو عقلى هو السبب الحقيقي لما أصاب الساحة الثقافية الإسلامية من نزاع ، والفصل بين ما هو قاعدة ثابتة ، وما هو بمثابة الموقف الفردى التعليمى هو أصل الفساد الضارب فى عقول العامة وكثير من الخاصة على السواء ، والتعميم الذى نراه منتشرا على ألسنة البعض من موقف هنا وهناك لا يثبت حكما ولا يؤصل قاعدة بل يزيد الأمر خلطا وازدواجية ، وتنغلق الأبواب أمامنا فنبحث عن النجاة فلا نجدها إلا فى الخرافات والتفسيرات الغريبة و أحيانا فى الصمت ، فنستجير من الرمضاء بالنار إذا وقعت الكارثة .

ذكرت – فيما ذ كرت – أننا لا نستخدم العقل فى ديننا مع أبنائنا ، ونحاول أن نعتمد على الخرافات فى شرح الدين حتى تعود الأبناء على كثير منها ، فظلت فى عقولهم كأنها من بديهيات الدين وتعاليمه ، فبنينا الدين على خرافة عقلية نبثها للطفل فى صغره إذا سأل عن وجود الله أو عن الجنة والنار أو غير ذلك من غيبيات لا نستطيع نحن أصلا فهمها ، فما بالك بعقل الطفل الذى لا يستوعب الكم الهائل فيما عجز عنه العقلاء ، وإذا حاول الطفل استخدام عقله نقف له بالمرصاد بل لا بأس من ضربه أو من الممكن قتله إذا حاول بعقله أن يسألك عن الله ، وما يأكل وما يشرب .

سأل أحد الأطفال شيخه لماذا وعد الله المؤمنين بالخمر فى الجنة وهى حرام أصلا ؟ فقال الشيخ : المؤمن الذى لا يشرب الخمر فى الدنيا سيكون ثوابه أنه يشربها فى الجنة ، والذى يشربها فى الدنيا سيحرم منها فى الجنة ، هذا بالإضافة إلا أن خمر الدنيا ليست كخمر الجنة ، فهناك فرق ، ثم أضاف الشيخ  : أنت فاكر الأكل الذى تأكله فى بيتك ، مثل الأكل الذى تأكله فى بيت الوزير ، أو رئيس الجمهورية ، لازم يكون فيه فرق .

استمعت لهذه القصة وسط بعض الناس ، وانتظرت لأسمع ما رأيهم فوجدتهم بلا استثناء يهللون ويصفقون على براعة الشيخ العبقرى الذى حل اللغز الرهيب عن الفرق بين خمر الدنيا وخمر الجنة ، وقالوا يا سلام صحيح فيه فرق ، هذا هو العلم ، وراح الجميع يقسم بعبقرية هذا الشيخ ، ومن قال سأرسل له أولادى وأولاد الجيران ليتعلموا على يده ، بل سأذهب أنا وزوجتى أيضا ، وأظنه لم يسأل نفسه قبل اليوم كيف أتعلم الدين أو كيف أعلمه  .

سألت نفسي لما ذا استحسنوا رد الشيخ على فداحة تفسيره وسذاجة رأيه ، وإذا كان ذلك قد حدث مع هذا الطفل فلابد أن الغالبية من الأبناء قد تربوا على مثل هذه التفسيرات الغريبة التى تخلط بين الغيب والعقل ، فقلت لنفسى إنهم يفرحون ليس لأن الشيخ على حق ولكن لأنهم يخافون من أن يسألوا أنفسهم هذا السؤال أو يسألهم أبناؤهم مثله ، فتقع الطامة الكبرى ، ويجدون أنفسهم عاجزين عن الرد ، وحتى لو عجزوا عن الرد فسيكون الحل الذهاب لمثل هذا الشيخ العبقرى الفصيح ليفكر لهم بالوكالة ويجيب عنهم ، فهم لا يفكرون ولا يعقلون ، وربما يرون أن الدين أمر لا يستحق التفكير أصلا ، ذلك لأنه لا يستخدم العقل والمنطق ، فليبحثوا عن إجابات جاهزة أفضل لهم ، وإذا لم تعجبهم إجابة شيخهم ، فهناك شيخ آخر أفصح منه ، يحولون التوكيل له ليفكر عوضا عنهم وهلم جرا ...

إذا أتعبك طفلك راغبا فى الخروج وكنت مرهقا لا تريد أن تخرج ، ماذا تقول له ؟ تقول : هناك كلب وراء الباب ، إذا خرجنا سيأكلنا هذا الكلب . عندها سيسكت الطفل خوفا ، ولن يفكر فى الخروج ، وربما راح بعيدا عن الباب ، وترك الغرفة كلها ، وانزوى فى ركن بعيد مخافة الكلب المزعوم . هذا ما يفعله بنا كثيرون إذا أردنا الحديث أو التفكير ، وإذا كانت العامة تفضل الصمت وترضخ للواقع وتؤثر السلامة وراحة البال ، فتترك الساحة لمن يريد بسط رأيه وسيطرته ، وهذا حال التاريخ الثقافى على مدار عصوره المختلفة ، فلابد أن تأتى الفرصة للحديث ورفع الغشاوة عن الأعين حتى تصبح كل الأمور مبسوطة على الساحة أمام الناس .

سألنى أحدهم مرة عن قوله تعالى : ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ) الآية - الأعراف .  فقال لى : معلوم أن العين تبصر والأذن تسمع ، فلماذا هذا الحديث ؟ فقلت إن الحديث هنا للتنبيه على وضع كل شيء فى موضعه الصحيح وقيام كل آلة بوظيفتها الصحيحة حتى تستقيم الأمور ، فلا يصح أن تقوم آله بمهمة آلة أخرى ، أو أن يحل إنسان محل آخر ، أو تقوم قاعدة مكان قاعدة أو منطق فى محل غير محله ، إن الأذن مهمتها السمع فلا يصح أن نستخدمها للفهم ، فنحاول أن نفهم بها ، فهذا عين الخلط ، وهذا هو مرمى المقال ، فنحن اليوم نفكر بآذاننا لا بعقولنا ونعطى عقولنا إجازة لنترك الآخرين يفكرون نيابة عنا ، ونلقى لهم آذاننا فقط ، فهى اليوم آلة التفكير عندنا .

إن الدين يبنى فى جزء منه على الغيب وهو ما يعرف بالعقيدة ، ولكن القاعدة العريضة من الدين  تبنى على العقل والمنطق لأنها قوام الحياة على الأرض وعمارتها كما أراد الله ، فكيف نذهب لعمارة الأرض بفكر غيبى لا يركن للمنطق والقواعد الثابتة ، وأنت إذا نظرت لأحاديث العلماء اليوم تجدهم يخلطون الغيب بالواقع ، فإذا أراد الشيخ إقناعك بما يريد تجده يطيل الحديث عن الجنة والنار والقبر وعذابه حتى يسلبك الإرادة ويعدمك التفكير فتستسلم له فى كل ما يذهب ، كل هذا يحدث فى معظم القضايا المتعلقة بالمرأة من أحكام وحجاب وغيرها ، انظر لمن يحدثك ستجده لابد متحدثا عن الغيبيات وأهوال القيامة والقبور ، رغم أنه أصلا لا يعلم عنها شيئا وكل ما يذهب إليه هو على سبيل الظن لا غير ، لكنه يعتمد على عدم مجادلتك له حتى لا تكفر ، وبالتالي فلن تجادله فى الحكم الذى ينتهى إليه حتى لا تكفر بالتبعية ، فهل الدين يريد ذلك ، أم أغراض شخصية ومصالح سياسية تتستر وراء الدين وتتاجر به .

إن محاولة الخروج من هذه الأوهام التى سيطرت على عقول الناس بواسطة تلك الفئة من المشايخ الذين انفردوا بساحة الدعوة وخلطوا بين الغيب والعقل طوعا أو كرها منهم ، ولا نزعم أن هذا هو الحال والشأن للجميع ، فلن نعدم فى هذا الجيل من يقوم بمثل ما نقوم به ، فلتكن دعوة لضم الأصوات الصحيحة معا ، وثورة على كل ما أصابنا من تخلف ورجعية وتراجع ، جعلنا متخلفين عن ريادة الأمم ، ونحن نستحق ذلك ، فلتكن دعوة كذلك لمواجهة الأصوات الجاهلة التى تظن فى صمت العامة تصديقا لما تقوله ، أولئك نقول لهم إن الناس لا تصدقكم فلا تنخدعوا بصمتهم ، فليس معكم إلا فئة ضعيفة مغلوبة على أمرها .

والله من وراء القصد
 

Comments  

 
+1 #1 Re الدين والمنطقahmed 2010-09-25 14:36
الاستاذ انور شكراعلى موضوعتك القيمة
اقتباس
 

إضافة تعليق


1 2 3 4 5
JoomlaWatch 1.2.12 - Joomla Monitor and Live Stats by Matej Koval