الناس فى بلدى يعتبرون الدين والمنطق خصمين متضادين ، لا يجتمعان معا ، ولا يلتقيان ، وأصبح الناس وهم يستمعون إلى مشايخ الفضائيات كأنهم بلا عقل ولا رأى ، وقد استمعت إلى بعض هؤلاء المشايخ فوجدته يقول قولا ، ثم يأتى بعكسه ، والناس لا تشعر ولا تفهم ، حاولت تفسير هذه الظاهرة ، فمعظم من يستمعون إلى مشايخ الفضائيات من حاملى الشهادات ومنهم شهادات عليا ، أعنى أن العلم نال من بعض أفكارهم ، وأن المنطق لحق بعقولهم ردحا من الزمن ، ولكن العجب كل العجب عندما تشاهدهم أمام هؤلاء المشايخ ، تجدهم مستسلمين منقادين ، لو قالوا لهم : نحن ربكم الأعلى ، لما تنبهوا لذلك ، فهم مخدرون كالذى يغشى عليه ، ومما يزيل بعض العجب لا كله ، أن الغالبية العظمى من مشاهدى الفضائيات من النساء ، وهؤلاء المشايخ يعرفون ويفهمون ذلك ، بل ويلعبون على هذا الوتر الحساس فتشعر ، وكأن هذه الفضائيات موجهة للنساء خاصة
إننى أتمنى أن يتحدث إلينا من يريد الوصول للحقيقة وهى غايه العالم الحق والفقيه الصادق ، ولا يسعنا إلى أن نحمد له ذلك ، فسينقذ بعمله طائفة عاشت على الوهم سنينا
إن الخلط الواضح بين ما هو غيبى وما هو عقلى هو السبب الحقيقي لما أصاب الساحة الثقافية الإسلامية من نزاع ، والفصل بين ما هو قاعدة ثابتة ، وما هو بمثابة الموقف الفردى التعليمى هو أصل الفساد الضارب فى عقول العامة وكثير من الخاصة على السواء ، والتعميم الذى نراه منتشرا على ألسنة البعض من موقف هنا وهناك لا يثبت حكما ولا يؤصل قاعدة بل يزيد الأمر خلطا وازدواجية ، وتنغلق الأبواب أمامنا فنبحث عن النجاة فلا نجدها إلا فى الخرافات والتفسيرات الغريبة و أحيانا فى الصمت ، فنستجير من الرمضاء بالنار إذا وقعت الكارثة .
ذكرت – فيما ذ كرت – أننا لا نستخدم العقل فى ديننا مع أبنائنا ، ونحاول أن نعتمد على الخرافات فى شرح الدين حتى تعود الأبناء على كثير منها ، فظلت فى عقولهم كأنها من بديهيات الدين وتعاليمه ، فبنينا الدين على خرافة عقلية نبثها للطفل فى صغره إذا سأل عن وجود الله أو عن الجنة والنار أو غير ذلك من غيبيات لا نستطيع نحن أصلا فهمها ، فما بالك بعقل الطفل الذى لا يستوعب الكم الهائل فيما عجز عنه العقلاء ، وإذا حاول الطفل استخدام عقله نقف له بالمرصاد بل لا بأس من ضربه أو من الممكن قتله إذا حاول بعقله أن يسألك عن الله ، وما يأكل وما يشرب .
سأل أحد الأطفال شيخه لماذا وعد الله المؤمنين بالخمر فى الجنة وهى حرام أصلا ؟ فقال الشيخ : المؤمن الذى لا يشرب الخمر فى الدنيا سيكون ثوابه أنه يشربها فى الجنة ، والذى يشربها فى الدنيا سيحرم منها فى الجنة ، هذا بالإضافة إلا أن خمر الدنيا ليست كخمر الجنة ، فهناك فرق ، ثم أضاف الشيخ : أنت فاكر الأكل الذى تأكله فى بيتك ، مثل الأكل الذى تأكله فى بيت الوزير ، أو رئيس الجمهورية ، لازم يكون فيه فرق .
استمعت لهذه القصة وسط بعض الناس ، وانتظرت لأسمع ما رأيهم فوجدتهم بلا استثناء يهللون ويصفقون على براعة الشيخ العبقرى الذى حل اللغز الرهيب عن الفرق بين خمر الدنيا وخمر الجنة ، وقالوا يا سلام صحيح فيه فرق ، هذا هو العلم ، وراح الجميع يقسم بعبقرية هذا الشيخ ، ومن قال سأرسل له أولادى وأولاد الجيران ليتعلموا على يده ، بل سأذهب أنا وزوجتى أيضا ، وأظنه لم يسأل نفسه قبل اليوم كيف أتعلم الدين أو كيف أعلمه .
سألت نفسي لما ذا استحسنوا رد الشيخ على فداحة تفسيره وسذاجة رأيه ، وإذا كان ذلك قد حدث مع هذا الطفل فلابد أن الغالبية من الأبناء قد تربوا على مثل هذه التفسيرات الغريبة التى تخلط بين الغيب والعقل ، فقلت لنفسى إنهم يفرحون ليس لأن الشيخ على حق ولكن لأنهم يخافون من أن يسألوا أنفسهم هذا السؤال أو يسألهم أبناؤهم مثله ، فتقع الطامة الكبرى ، ويجدون أنفسهم عاجزين عن الرد ، وحتى لو عجزوا عن الرد فسيكون الحل الذهاب لمثل هذا الشيخ العبقرى الفصيح ليفكر لهم بالوكالة ويجيب عنهم ، فهم لا يفكرون ولا يعقلون ، وربما يرون أن الدين أمر لا يستحق التفكير أصلا ، ذلك لأنه لا يستخدم العقل والمنطق ، فليبحثوا عن إجابات جاهزة أفضل لهم ، وإذا لم تعجبهم إجابة شيخهم ، فهناك شيخ آخر أفصح منه ، يحولون التوكيل له ليفكر عوضا عنهم وهلم جرا ...
إذا أتعبك طفلك راغبا فى الخروج وكنت مرهقا لا تريد أن تخرج ، ماذا تقول له ؟ تقول : هناك كلب وراء الباب ، إذا خرجنا سيأكلنا هذا الكلب . عندها سيسكت الطفل خوفا ، ولن يفكر فى الخروج ، وربما راح بعيدا عن الباب ، وترك الغرفة كلها ، وانزوى فى ركن بعيد مخافة الكلب المزعوم . هذا ما يفعله بنا كثيرون إذا أردنا الحديث أو التفكير ، وإذا كانت العامة تفضل الصمت وترضخ للواقع وتؤثر السلامة وراحة البال ، فتترك الساحة لمن يريد بسط رأيه وسيطرته ، وهذا حال التاريخ الثقافى على مدار عصوره المختلفة ، فلابد أن تأتى الفرصة للحديث ورفع الغشاوة عن الأعين حتى تصبح كل الأمور مبسوطة على الساحة أمام الناس .
سألنى أحدهم مرة عن قوله تعالى : ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ) الآية - الأعراف . فقال لى : معلوم أن العين تبصر والأذن تسمع ، فلماذا هذا الحديث ؟ فقلت إن الحديث هنا للتنبيه على وضع كل شيء فى موضعه الصحيح وقيام كل آلة بوظيفتها الصحيحة حتى تستقيم الأمور ، فلا يصح أن تقوم آله بمهمة آلة أخرى ، أو أن يحل إنسان محل آخر ، أو تقوم قاعدة مكان قاعدة أو منطق فى محل غير محله ، إن الأذن مهمتها السمع فلا يصح أن نستخدمها للفهم ، فنحاول أن نفهم بها ، فهذا عين الخلط ، وهذا هو مرمى المقال ، فنحن اليوم نفكر بآذاننا لا بعقولنا ونعطى عقولنا إجازة لنترك الآخرين يفكرون نيابة عنا ، ونلقى لهم آذاننا فقط ، فهى اليوم آلة التفكير عندنا .
إن الدين يبنى فى جزء منه على الغيب وهو ما يعرف بالعقيدة ، ولكن القاعدة العريضة من الدين تبنى على العقل والمنطق لأنها قوام الحياة على الأرض وعمارتها كما أراد الله ، فكيف نذهب لعمارة الأرض بفكر غيبى لا يركن للمنطق والقواعد الثابتة ، وأنت إذا نظرت لأحاديث العلماء اليوم تجدهم يخلطون الغيب بالواقع ، فإذا أراد الشيخ إقناعك بما يريد تجده يطيل الحديث عن الجنة والنار والقبر وعذابه حتى يسلبك الإرادة ويعدمك التفكير فتستسلم له فى كل ما يذهب ، كل هذا يحدث فى معظم القضايا المتعلقة بالمرأة من أحكام وحجاب وغيرها ، انظر لمن يحدثك ستجده لابد متحدثا عن الغيبيات وأهوال القيامة والقبور ، رغم أنه أصلا لا يعلم عنها شيئا وكل ما يذهب إليه هو على سبيل الظن لا غير ، لكنه يعتمد على عدم مجادلتك له حتى لا تكفر ، وبالتالي فلن تجادله فى الحكم الذى ينتهى إليه حتى لا تكفر بالتبعية ، فهل الدين يريد ذلك ، أم أغراض شخصية ومصالح سياسية تتستر وراء الدين وتتاجر به .
إن محاولة الخروج من هذه الأوهام التى سيطرت على عقول الناس بواسطة تلك الفئة من المشايخ الذين انفردوا بساحة الدعوة وخلطوا بين الغيب والعقل طوعا أو كرها منهم ، ولا نزعم أن هذا هو الحال والشأن للجميع ، فلن نعدم فى هذا الجيل من يقوم بمثل ما نقوم به ، فلتكن دعوة لضم الأصوات الصحيحة معا ، وثورة على كل ما أصابنا من تخلف ورجعية وتراجع ، جعلنا متخلفين عن ريادة الأمم ، ونحن نستحق ذلك ، فلتكن دعوة كذلك لمواجهة الأصوات الجاهلة التى تظن فى صمت العامة تصديقا لما تقوله ، أولئك نقول لهم إن الناس لا تصدقكم فلا تنخدعوا بصمتهم ، فليس معكم إلا فئة ضعيفة مغلوبة على أمرها .
والله من وراء القصد














Comments
من أجل تعليقات هذه المشاركة الإخبارية التغذية RSS.